أبي عبد الله حميدان بن يحيى القاسمي

31

مجموع السيد حميدان

محدثا ، ووصفهم للعشرة العقول بالتقدم والتأخر ، ونقضهم لذلك بقولهم إنها موجودة قبل الزمان والمكان ، إذ لا يعقل الفرق بين المتقدم والمتأخر من الأشياء المنفعلة إلا بالوقت والمكان ؛ إذ لولا ذلك لما علم الفرق بين كون الثاني ثانيا والثالث ثالثا ، ولا بين رتبتيهما ولا انفعالهما ، وكل هذه الأدلة مما لا يمكن كل عاقل إنكارها إلا بالمكابرة الدالة على العجز ، ولذلك جمع كثير من الغلاة بين اسم الإسلام ومعنى الفلسفة ليتوصلوا بذلك إلى إبطال محكم التنزيل ، بما ادعوا من علم التأويل ، الذي زعموا أنه علم مكنون مكتوم ، فمنهم من لا يعلّمه إلا من أخذ عليه العهد والميثاق ، ومنهم من لا يعلّمه إلا من قد قبل منه ما يلقي إليه من المقدمات التي إذا نظر فيها المتعلم أداه النظر فيها إلى ذلك العلم المكتوم ، وما أشبه ذلك من الحيل والمكائد التي لا تجوز إلا على من بهر عقله زخرف أقوالهم ، وقصر به الشك عن بلوغ درجة اليقين . [ قول بعض من جمع بين الفلسفة والإسلام في العقل والنفس وإبطاله ] والقول الثالث : قول بعض من جمع بين الفلسفة والإسلام : إن العقل هو أول مخلوق خلقه اللّه سبحانه قبل الزمان والمكان ، واحتجوا على ذلك بخبر رووه ، وهو أن اللّه سبحانه لما خلق ذلك العقل قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر . . إلى آخر الخبر . وهذا الخبر هو من أقرب وأوضح ما يدل على بطلان قولهم ، وذلك لأنه « 1 » لا يخلو : إما أن يكون محمولا على ظاهره أو متأولا . فإن كان محمولا على ظاهره ، وجب القطع على كونه مكذوبا على النبي - صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلّم - لأجل تناقضه وتضمنه لمعنى التشبيه ، وللجهل بالفرق بين صفة العقل وصفة العاقل . فأما تناقضه ؛ فلأن الإدبار بعد الإقبال ، والإقبال قبل « 2 » الإدبار لا يعقل إلا إذا كان

--> ( 1 ) - في ( أ ، ج ) : أنه . ( 2 ) - في ( ب ، ج ) : بعد .